مجمع البحوث الاسلامية
447
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تأثير دواعيهما الطّبيعيّة في نفسه ، فلا يصيبه شيء يخرجه من جماعة المحسنين الّذين شهدنا له بأنّه منهم إلى جماعة الظّالمين الّذين ذمّهم ، وشهد هو في ردّه عليها بأنّهم لا يفلحون ، وشهادته حقّ . ( 12 : 278 ) الطّباطبائيّ : البرهان هو السّلطان ، ويراد به السّبب المفيد لليقين ، لتسلّطه على القلوب كالمعجزة . قال تعالى : فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ القصص : 32 ، وقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ النّساء : 174 ، وقال : أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ النّمل : 64 ، وهو الحجّة اليقينيّة الّتي تجلي الحقّ ولا تدع ريبا لمرتاب . والّذي رآه يوسف عليه السّلام من برهان ربّه وإن لم يوضحه كلامه تعالى كلّ الإيضاح ، لكنّه - على أيّ حال - كان سببا من أسباب اليقين ، لا يجامع الجهل والضّلال بتاتا . ويدلّ على أنّه كان من قبيل العلم قول يوسف عليه السّلام فيما يناجي ربّه : وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف : 33 . ويدلّ على أنّه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها أنّ هذا النّوع من العلم قد يجامع الضّلال والمعصية ، وهو ظاهر قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ الجاثية : 23 ، وقال : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ النّمل : 14 . فالبرهان الّذي أراه به وهو الّذي يريه اللّه عباده المخلصين ، نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود ، تطيعه النّفس الإنسانيّة طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا ، وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء اللّه تعالى . [ وتمام الكلام في « ه م م » ] ( 11 : 128 ) مكارم الشّيرازيّ : ما المراد من بُرْهانَ رَبِّهِ ؟ « البرهان » في الأصل مصدر « بره » ومعناه الابيضاض ، ثمّ أطلق هذا اللّفظ على كلّ دليل محكم قويّ يوجب وضوح المقصود ، فعلى هذا يكون برهان اللّه الّذي نجّى يوسف نوعا من الأدلّة الإلهيّة الواضحة ، وقد احتمل فيه المفسّرون احتمالات كثيرة ، من جملتها : 1 - العلم والإيمان والتّربية الإنسانيّة والصّفات البارزة . 2 - معرفته بحكم تحريم الزّنى . 3 - مقام النّبوّة وعصمته من الذّنب . 4 - نوع من الإمداد الإلهيّ الّذي تداركه في هذه اللّحظة الحسّاسة بسبب أعماله الصّالحة . 5 - هناك رواية يستفاد منها أنّه كان في قصر امرأة عزيز مصر صنم تعبده ، وفجأة وقعت عيناها عليه ، فكأنّها أحسّت بأنّ الصّنم ينظر إلى حركاتها الخيانيّة . . . في حيرة وغضب نهضت وألقت عليه سترا فاهتزّ يوسف لهذا المنظر ، وقال : أنت تستحين من هذا العمل من الصّنم الّتي لا تملك عقلا ولا شعورا ولا إحساسا ، فكيف لا أستحيي من ربّي الخبير بكلّ شيء ، والّذي لا تخفى عليه خافية ! فهذا الإحساس منح يوسف قوّة جديدة ، وأعانه على الصّراع الشّديد في أعماق نفسه بين الغريزة والعقل ، ليتمكّن من التّغلّب على أمواج الغريزة في نفسه .